آمنة الكبيرة – بقلم حسن الأنصاري

منذ الخطوة الأولى من رحلة الديمقراطية في البلاد ، و حيث كنا الأوفر حظا بين دول المنطقة لاختيارنا الرائد ، استفاضت شهرتنا ليس بدستورنا الديمقراطي فحسب ، بل و بما فيها من التسامح و حرية الفرد جديرين بالتنويه ، و بما يتمتع حكامنا من فلسفة العدالة و الحكمة في إدارة الدولة من المزايا المكفولة حتى للناقدين و لأعداء الديمقراطية . و حتى للعدو في الشمال من حدودنا و الذي في جنح الليل قام بغزوه الغاشم و وضع يده النجسة على مواردنا ، و لم يعلم صدام أن عقيدة ” أير لاند باتل ” (Air Land Battle) أثبتت أنه يجهل الكثير و لم يفهم أبدا أن شكلا جديدا كليا للحرب قد غيرت طبيعة الحروب السابقة و التي يعرفها قواده المجرمون . والذين ما زالوا يعيشون في غياهب الموجة الأولى من تاريخ البشرية حيث الاعتداءات مستمرة و خطف الرجال و النساء و القتال من أجل الثأر .
و لعل بسبب افتقارنا للديمقراطية المطلقة ، بدأنا نفهم متأخرين كيفية استخدام أدوات المعارضة من خلال المنهج السياسي للدولة ،فأصبح و منذ أن بدأنا مرحلة الديمقراطية الثانية بعد التحرير أسلوب التنافس الدبلوماسي المتكرر و السائد هو “الاستجواب ” ، و قد تطور هذا الأسلوب حتى وصلت الدبلوماسية لمرحلة خطرة و انغمست صراعات السلطتين في نشوة التنافس السياسي الكريهه ، و كأن صراخات الألم و الغضب من جهة و آراء الراشدين المطلعين و العقلاء من جهة أخرى لا تكفي لوضع حد لهذا العنف الديمقراطي ، بل على العكس من ذلك ، فقد أصبحت أداة الاستجواب اللعبة الأخيرة للثأر و الانتقام السياسي و هي آلة سياسية مرعبة .
و يأتي الخوف من شدة هيجان النشوة و الابتعاد عن القيم الأساسية لفن أسلوب الدبلوماسية و الإدمان على اللجوء لممارسة ” الإنتقامات السياسية الكاسحة ” بزيادة الضغط على زناد المنافسة و لربما الانتقال لمرحلة الحرب دون السلاح و من دون إراقة الدماء و تزداد اللعبة تعقيدا و تتهيأ الأجواء لخلق عملية خاطفة فلا نجد أنفسنا إلا و نحن في التقاطع القاتل .
فالثأر و الانتقام السياسي لا يولد الفن و الإبداع الدبلوماسي ، و لا يولد الابتكار للأساليب السياسية الحديثة ، و أن الحضارة المدنية جاءت نتيجة لاستثمار التجارب السابقة و أن تفعيل الأنشطة الإيجابية اليومية تلعب دورا مهما في تطور الدول و تقدمها .
انطلاقا من هذا المبدأ ، أناشد الأخوة الأعضاء الأفاضل ( الربعي- الصقر- الهارون- الشايع ) أن لا ينجرفوا وراء استجواب ” الثأر و الانتقام ” للوزير الميع و أن لا يلجئوا لهذه الآفة الخارقة ، بل عليهم تقديم يد العون لخلق آلة سياسية مبدعة و دبلوماسية مبتكرة حديثة و دعائم فلسفية متينة و صلبة لصناع القرار . فنحن بحاجة لفلسفة سياسة حكيمة فولاذية مبدعة و ذكية و دقيقة في تحديد الأولويات المطلقة لهوية الأهداف الشاملة للدولة .
بالأمس كانت جريمة بشعة اهتزت لها الأبدان ، جريمة ” ثأر و انتقام ” كانت ضحيتها الطفلة البريئة ” آمنة ” ، فمن منا لديه المخدر المنوم لآفة ” الثأر و الانتقام السياسي ” لكي نحافظ على أمن و سلامة و استقرار ” آمنة الكبيرة ” .

بقلم : حسن محمد الأنصاري
الكويت 11/ 6 / 2002

Advertisements
هذا المنشور نشر في مــقــالات مــشــاركــة. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s