سياستنا الخارجية بين الانفعال و المنطق

السياسات الخارجية التي تبنى على الانفعال لن ينتج عنها إلا الخطأ. هذه السياسات لن تقوي القدرات الفكرية لشعوب المنطقة بل ستزيد حالة الإحباط و الجهل. الواجب هو تعلم دروس الماضي و تنمية الفكر العربي. للأسف هذا ما حدث عندما اجتمع وزراء خارجية الدول المجاورة للعراق بالرياض في إبريل الماضي.
اجتمع وزراء دول جوار العراق في 19 إبريل بالرياض. أحد المواضيع التي تطرقوا إليها هي التهديدات الأمريكية لسوريا. و بدلا من دراسة الموضوع بتمعن و تفهم أسباب التهديدات الأمريكية طلع لنا المؤتمرين بتصريح عام غير موضوعي. فلقد صرح سمو الأمير الملكي سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية بأنهم يرفضون الاتهامات الأمريكية لسوريا و بنفس الوقت يرحبون بزيارة وزير خارجية أمريكا كولن باول إلى سوريا. و أيد هذا التوجه السيد أحمد ماهر وزير خارجية مصر. و أيد النائب الأول الشيخ صباح وزير خارجية الكويت هذا التوجه إثر زيارته لدمشق. ولكن هذا الموقف لا يتفق مع المنطق. فالواجب هو دراسة أسباب هذه الاتهامات و مدى صحتها و من ثم اتخاذ الموقف المناسب. فالصحيح هو الوقوف مع سوريا إذا كانت على حق و عدم الوقوف معها إذا كانت على خطأ. ولقد كانت هناك حالات مشابهة في الماضي القريب.
في عام 1970 هجمت سوريا بـ 200 دبابة على الأردن. علما بأن الأردن منذ أربع سنوات خلت كانت حليفتها بالحرب ضد إسرائيل. اضطرت الأردن إلى ضرب هذه القوات ضرب الشر، فحطمتها جميعا. هزيمة أخجلت الجيش السوري الذي أخلى دماره ليلا لستر الفضيحة. و بعد ذلك أرسل سلاح الجو السوري طائرة مقاتلة من نوع ميج لإسقاط الملك حسين الذي كان يتمتع بنزهة جوية بطائرة مدنية ذات محرك واحد. ولكن المغفور له الملك حسين كان طيارا متميز. إذ تمكن من التفوق بالمناورة بطائرة مدنية على طائرة مقاتله. عندئذ هدد الملك حسين سوريا بالكف عن الأعمال الهوجاء و إلا سيدك قواتها. وزراء خارجيتنا لم يقفوا ضد التهديدات لسوريا، لأن سوريا هي البادئة بالخطأ. و هذا هو الموقف الصحيح.
في عام 1973 دخلت سوريا و مصر الحرب ضد إسرائيل التي كانت تحتل مرتفعات الجولان و سيناء. و أرسلت الكويت لواء مدفعية للمشاركة بما سمي بحرب الجولان فيما بعد. أرسلت الكويت أحدث مدافع لها من نوع بوردن التي سميت على قائد فرنسي. و لقد أبلت هذه المدافع بلاءا جيدا. حيث لم يتمكن الإسرائيليون من تدمير أيا منها بينما نظائرها السورية دمر الكثير منها. موقف الكويت و أداء مدافعها حاز على إعجاب الشارع السوري الذي سمى المدفع بأبوردين و ساغ له السجع. موقفنا في ذلك الوقت كان هو الموقف الصحيح. فمن الواجب الوقوف مع الأخوة العرب الذين سلبت أراضيهم.
في عام 2000 آوت سوريا أوجلان. أوجلان كان مطلوب للعدالة بتركيا لضلوعه في محاولات اغتيال. طالبت تركيا سوريا بتسليمها أوجلان. ولكن سوريا لم تستجب لذلك الطلب بسبب دعمها المطلق للحركات التحررية حتى المجرم منها. عندئذ لم تجد تركيا بدا من تهديد سوريا. و كان هناك التهديد المشهور للجنرال التركي الذي قال بأنه سيفطر على الحدود و يتغدى بدمشق. لم نقف في ذلك الوقت مع سوريا. فكيف نقف مع من يأوي المجرمين.
و الآن لو رجعنا الى واقعة التهديدات الأمريكية لوجدنا بأن الكثير من المجرمين أتباع صدام قد لاذوا بالهرب الى سوريا. و على سوريا أن ترجعهم كما فعلت بأوجلان. كذلك أمريكا تطالب بعماد مغنية أحد العاملين بالجناح العسكري لحزب الله. و على سوريا أن تطلب منه ترك البلاد أو تسليمه للأمريكان. و إن كنت أظن إن مغنية بمشهد و ليس بدمشق.
أمام هذه الاتهامات كان الواجب التأكد من الحقائق من وزير الخارجية السوري، و حثه على اتخاذ المواقف الحضارية التي يؤيدها العالم أجمع. بل الأفضل من هذا كله لو أن الشيخ محمد صباح السالم الصباح أمسك السيد فاروق الشرع من يده و أتى به إلى خاله الشيخ صباح. و من ثم يأخذه الشيخ صباح من يده و لا يتركه حتى يدخلا المكتب البيضاوي بالبيت الابيض. و يقول للرئيس بوش ” أقدم لك اخي و عزيزي و صديقي المخلص فاروق. وجه الاتهامات إليه مباشرة. ولن نترك هذا المكتب حتى أن تزول جميع أسباب الخلافات بين دولتيكما العزيزتان علي”.
إن السياسات الانفعالية تزيد من جهل الشعوب العربية التي تئن من جهلها. و السياسات المنطقية الواقعية تزيدها حكمة و تفهما لواقعنا الدولي و التحديات القادمة. هذا ما نحن بأمس الحاجة اليه. فالتحديات الفكرية المستقبلية أكبر بكثير من التهديدات الأمريكية الحالية لسوريا.

بقلم : علي جابر العلي
الكويت 1/5/2003

Advertisements
هذا المنشور نشر في مـــقـــالات الكــاتــب. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s