استشراف المستقبل العربي أم؟!

ذهبت إلى مؤتمر “استشراف المستقبل العربي” الذي أقامته مؤسسة الفكر العربي في بيروت. ذهبت لأرى فكر عربي جديد يرعاه سمو الأمير خالد الفيصل الذي تحدى العرب عندما قال ” نحن العرب يا مدعين العروبة”. ولكن للأسف لم أرى إلا استجرار الفكر العربي القديم العقيم و سمو الامير أسيرا لهؤلاء المفلسين فكريا.
لم احضر الجلسة الافتتاحية. فلقد كانت مخصصة لكلمات قادة الدولة المضيفة. لم أكن اريد سماع كلمات قادة لم يطعموا جوعنا و لم يأمنوننا من خوف. حالهم حال معظم قيادات العالم العربي. و أخذت أقرأ ورقة سياسية أعدها مفكر سعودي حاصل على الدكتوراه. صعقت و أنا أقرأ هذه الورقة. فهذا الدكتور يسمي قضية لوكربي بمشكلة لوكربي. ما هذا الجهل؟ فبحادثة لوكربي مات المئات من الأشخاص، و حوصرت ليبيا اقتصاديا. مما اضطرها لتسليم إثنان من مواطنيها ليحاكموا في هولندا. و حكم على أحدهم بالسجن المؤبد. و دفعت ليبيا ما يزيد على البليونين دولار تعويضات. بقيت أتساءل، هل هذا جهل شخصي أم نفاق لأحمد قذاف الدم؟ تأملت خيرا و اعتبرتها سقطة شخصية.و في إحدى الجلسات الأولى رأيت الدكتور كلوفس مقصود. فتذكرت خطبته العصماء التي ألقاها علينا في عام 1970 عندما كنت طالبا في الجامعة الأمريكية في بيروت. خطبة تدور حول مبدأ أمجاد ياعرب أمجاد و إن العالم يتآمر على العرب. فكر عقيم. لم يأتينا منه إلا الهزيمة و الأعمال الإجرامية. فمن خلال هذا الفكر قتل مئات الأبرياء في صبرا و شاتيلا، و عشرات الآلاف في حماة و حلبجا. غانيك عن الهزائم العسكرية و التقهقر الاقتصادي. حزنت للأمة العربية و هي تكرر هذا الفكر على مدى ثلاثين عاما. أمة لم يرى فكرها أيا من الجديد رغم المحن التي مرت بها.
بعد ذلك حضرت كلمة لمسئول عربي. و كنت أتوسم خيرا. فهذا المسؤل يعتبر من الجيل الجديد. و كان يتكلم عن الديموقراطية في الولايات المتحدة الامريكية. و إذ به ليس ملما بمبدأ الـ Electoral College و لا بمبدأ الـ Checks and Balances في النظام السياسي الأمريكي. كيف سنتعامل مع أكبر دولة في العالم و نحن لسنا ملمين بأسس نظامهم السياسي؟
و في مجال الفكر الاقتصادي تكررت نفس الأفكار القديمة. فلقد كانوا ينادون بالسوق العربية المشتركة. و عندما تساءل أحد الحاضرين عن جدوى هذه السوق بسبب انعدام الكيانات الاقتصادية الفعالة في العالم العربي. اتهموه بالعمالة الفكرية لدولة إسرائيل. التي يدعون بأنها تريد إفشال هذه الفكرة. كانوا كالنعامة التي تدفن رأسها بالأرض. لا يريدون أن يصدقوا تقارير الأمم المتحدة. لا يصدقون أعينهم التي لا ترى أي صناعة كبيرة بالعالم العربي.
كان هناك مفكر عصري. فعندما تكلم السيد رفيق الحرير رئيس مجلس وزراء لبنان. رأيت فكرا حديث متطور يتعامل مع الأمور العصرية. فالرئيس الحريري كان واضحا عندما قال يجب أن نتعامل مع الولايات المتحدة على أساس انها دولة مدنية. و كان واضحا عندما قال بأن الدول الحديثة يجب أن تفرق بين الدين و الدولة. كان لدية تصور تنموي لبلاده. ولكن حتى الرئيس الحريري أخذ يداهن الفكر القديم البائس عندما تكلم عن المشاركة مع الاتحاد الأوربي و السوق العربية المشتركة.
خلال هذا الطرح العقيم نظرت إلى سمو الامير خالد الفيصل. ذلك المفكر العربي الصحراوي الذي تحدى العرب عندما قال” نحن العرب يا مدعين العروبة”. فوجدته أسيرا لهذا الفكر القديم. يوزع الابتسامات على عمر موسى الذي يريد أن يزيد ميزانية الجامعة العربية ليشتري طائرة خاصة له، و عبدالعزيز بوتفليقة الذي جاء ليكذب علينا. ذكرني بديفد بلين و هو في صندوقه الزجاجي المعلق من برج لندن.
لن يتقدم الفكر العربي حتى يأخذ مفكري دول مجلس التعاون الدور الريادي به. فالباقي لا يزالوان يعيشون بعالم الجهل و النكران. و على سمو الأمير خالد أن يكسر طوق أسره. لنستشرف الفكر العربي الجديد.

بقلم : علي الجابر العلي
الكويت 13/12/2003

Advertisements
هذا المنشور نشر في مـــقـــالات الكــاتــب. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s