كيف تنازلت ليبيا عن أسلحة الدمار

إن دلت الطريقة التي تخلت بها ليبيا عن أسلحة الدمار الشامل على شىء، فإنها تدل على إن الدول التي تتبع السياسات القمعية تفقد القدرة على الإبداع الفكري و ابتكار الحلول في مواجهة المحن. و على الدول التي تتبع الأسلوب القمعي إطلاق عنان الاجتهاد الفكري و إلا سنجد سياساتنا كردود فعل و ليس مبادرات.
لاشك إن ليبيا منذ الثمانينات و هي تتعرض لضغوط سياسية و اقتصادية. و ذلك بسبب السياسات الأهوائية التي اتبعها معمر القذافي. و لم تساعد الدول العربية ذات السياسات الخارجية العقلانية مثل دولة الكويت و المملكة العربية السعودية ليبيا للخروج من هذا المأزق بسبب المواقف العدائية التي اتخذتها ليبيا ضد هذه الدول. فعندما احتُلّت الكويت من قبل النذل صدام كان دور معمر القذافي هدامَا و ليس بناءا. إذ لم يقف مع الشرعية التي تحرم احتلال الدول بالقوة. و عندما اختلف مع السعودية أرسل الحجاج الى إسرائيل ليزوروا بيت المقدس. حتى و هم في إسرائيل لم يكف عن سياسته الهوجاء فطردتهم إسرائيل. لم يكسب ود إخوانه و لا حتى أعدائه.
من المنطقي أن لا تتحمل ليبيا، تلك الدولة الصغيرة، هذه الضغوط. ضغوط حتى دولة كبرى مثل الاتحاد السوفيتي لم يتحملها. و مع سقوط الاتحاد السوفيتي لم يبقى لإذعان ليبيا إلا الوقت. و عندما رأى معمر القذافي سرعة القوات الأمريكية و المتحالفة معها و هي تنطلق إلى بغداد للإطاحة بالنذل صدام، “سابت ركبه” كما يقول المثل المصري. و خاف على عرشة. فقدم لأمريكا و بريطانيا تنازله عن أسلحة الدمار الشامل على طبق من فضة.
لو كانت لليبيا مقدرة على الإبداع الفكري لحاولت المناورة و الكسب من هذا التنازل. فكان من الممكن أن تنسق مع سوريا التي تواجه العدو الإسرائيلي. أو أن تطلب المعونات المالية مثل ما تفعل كوريا الشمالية. أو أن تطلب الحماية من أمريكا. أو حتى الاعتراف من بريطانيا و الولايات المتحدة بأن الأفضل لدول الشرق الأوسط بما فيها إسرائيل التخلي عن أسلحة الدمار الشامل. لم تكن لليبيا القدرة على التفكير و الإبداع. على نقيض دولة إسرائيل التي تطلق عنان الفكر الحر.
ففي عام 1974 في بداية حرب سوريا على إسرائيل، وقفت إسرائيل حائرة أمام تقدم القوات السورية التي كادت أن تحطم لواء إسرائيلي كامل. و بدلا من الإستسلام كما فعلت ليبيا الآن، جلس قادة الجيش الإسرائيلي و درسوا التكتيكات العسكرية السوفيتية و كيفية مكافحتها. فابتكروا وسائل للتغلب على تقدم الجيش السوري. فكانت معركة الجولان الجوية التي حصد بها الطيران الإسرائيلي الطيران السوري و من ثم الانتصار الإسرائيلي. نصر الفكر الإسرائيلي على الشجاعة السورية التي لم يكن مثيل لها. لو كانت لسوريا قدرات الإبداع الفكري لأتت بأساليب عسكرية تناهض ما ابتكرته إسرائيل. ولكن أيضا سوريا تحجر الاجتهاد الفكري. كيف وصلنا إلى هذه الحالة المؤسفة؟
يبدو لي بأن حالة التخلف الفكري ترجع إلى ظاهرة زوار الفجر في عهد جمال عبدالناصر. فعندما أفلس جمال عبدالناصر فكريا اعتمد على المخابرات لإسكات كل صوت يعلو بحق أم بغير حق. أسلوب استمزجه القادة العرب الذين لم يكن لديهم فكر متجدد. و استمرت هذه العادة لتتغلغل في عصب الإدارات الحكومية. فالمجتهد يُبعد إن كان محظوظا. و لا يبرز إلا المنافق الجاهل.
ظاهرة خسرنا الكثير من جراءها. فعلى سبيل المثال عندما ذهبت أمريكا إلى اليمن لمكافحة تنظيم القاعدة لم يطلب منها علي صالح إلا تجهيز قواته الخاصة، بينما دولة مثل باكستان طلبت المعونات التعليمية و الاقتصادية. و وقفت سوريا حائرة أمام احتلال أمريكا للعراق بدلا من أن تقف مع الحق ضد صدام ذلك الحاكم الظالم. هذا العجز أدى إلى صدور قانون معاقبة سوريا من قبل الكونغرس الأمريكي. بينما كان من الممكن أن تتبنى سوريا سياسات تجعل الإدارة الأمريكية ممنونة لها. ظاهرة لا يمكن تغيرها إلا من خلال اجتثاثها.
فعلى جميع قادة الدول التي تتبع سياسة القمع أن تعترف بأن هذه السياسة لن يأتي منها إلا الفشل. و عليها أن تنادي أبناءها الذين هجروا بلادهم بسبب هذه السياسة الرجوع إلى بلادهم. و تقليد هؤلاء المناصب القيادية ليغيروا الأساليب القديمة. و إلا ستبقى سياساتهم ردود فعل و ليس مبادرات خلاقه.

بقلم : علي جابر العلي
الكويت 26/12/2003

Advertisements
هذا المنشور نشر في مـــقـــالات الكــاتــب. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s