الادمان المعلوماتي

  قرأت مؤخرا كتاب عن الادمان المعلوماتي اسمه “الحمية المعلوماتية”  The Information Diet . يتكلم عن الادمان على قراءة المعلومات التي تسعدنا و لا تفيدنا. يقارن به الكاتب بين صناعة التغذية و المعلومات. ويستخلص بأن الادمان المعلوماتي اخطر على المجتمع من الادمان على الاكل. ويأتي الكاتب ببعض الامثلة من المجتمع الامريكي و سأعرض بعض الامثلة من المجتمع الكويتي. و انهي هذه المقالة بإقتراحات  كاتب الكتاب لمكافحة الادمان المعلوماتي و اقتراح بسيط لمكافحته بالكويت.

  يبدأ الكتاب باستعراض صناعة التغذية و التطور الذي حققته من جراء تطور علم مبيدات الحشرات و تكنولوجيا اليات الزراعة. و خير دليل على هذا التطور هو المقارنة بين نسبة العمالة في قطاع الزراعة في المجتمع الامريكي على فترتين من الزمن. ففي مطلع قرن العشرين كان يعمل بالزراعة 41% من المجتمع الامريكي. اما الان فيعمل بهذه الصناعة فقط   2%.

  هذا التطور دفع بشركات الاغذية الاجتهاد لزيادة الطلب على المأكولات. و اكتشفت هذه الشركات بأن تذوق الطعام يعتمد على ثلاثة مكونات، الملح و السكر و الدهون. و ان التجارب و التلاعب بنسب هذه المكونات بالاكل تؤدي الى الادمان على الاكل. و يأتي بأمثلة على ذلك. فهناك شركة جيز كيك فاكتوري التي تجري الكثير من التجارب المذاقية على اصناف الكيك قبل ان تجعلها جزء من لائحتها. و نفس الشيء ينطبق على شركة ماكدونالد. و هدفهم ليس ما يفيد المستهلك ولكن ما يريده من اجل تحقيق الكثير من  المبيع و الارباح.

  و بعد ذلك ينتقل الى صناعة المعلومات. و كيف نشأت هذه الصناعة مع الحضارة الفرعونية و السومرية التان اوجدا الحروف الأبجدية. هذا التطور المعلوماتي ادى الى نهضة هذه الحضارات. ولكن صناعة المعلومات لم تكن متاحة للعامة. كانت مقصورة فقط على طبقة الحكام و الكتبة. و من يذهب الى مصر يجد الكثير من التماثيل للكاتب الفرعوني. حرفة كانت اساسية بالمجتمع الفرعوني و حقق محترفيها الكثير من المال.

  و بعد ذلك ينتقل الى أوربا بعصر النهضة و يوهان جوتنبرج الذي صنع اول آلة طباعة. و كيف هذه الآلة أدت الى ضعضعة الكنيسة الكاثوليكية. فأول كتاب كتب بهذه الآلة كان الانجيل. و اصبح الانجيل بين أيدي الجميع و ليس حصرا على كهنة الكنيسة. مما ادى الى نشوء المذهب البروتستانتي.  ولكن الكتب لم تكن متاحة للجميع. من يريد قرأتها كان عليه الذهاب للمكتبة او شرائها.

  و ينتهي الكاتب الى عصرنا الحديث و كيف نعاني من التخمة المعلوماتية بسبب كثرة القنوات الاخبارية و الحوارية الفضائية و الانترنت. كثرة المصادر المعلوماتية جعلت الشركات التجارية تتنافس على ما يرضي القارىء  و ليس على ما يفيده. و هنا كحالهم بالاكل اكتشفوا بأن الناس تدمن على مصادر معينة من المعلومات. فالناس تدمن على المصادر التي تؤكد قناعتها، بغض النظر ان كانت هذه القناعة صحيحة ام لا. و تدمن على المصادر التي تثير تخوفها. و تدمن على المصادر التي تبث الإشاعات. و اخذت القنوات الاخبارية و مواقع الانترنت تستغل هذه الظاهرة لتكثر من مشاهديها. مما ادى الى الادمان المعلوماتي.

  هذا الادمان المعلوماتي ادى الى نشر الجهل بالمجتمع الامريكي. فهناك 10% يظنون بأن هاواي ليست ولاية و 7% يظنون بأن الرئيس اوباما فرنسي. ولكن الادهى من ذلك ان شركات النفط استغلت هذا الجهل لتروج سياسات مضرة بالبيئة. و خير دليل على ذلك فضيحة اليميل الذي بينت نفاق الذين ينفون الضرر البيئي.

  و وضعنا بالكويت اسواء من امريكا. فعندما بثت محطات حوارية مقابلات لا تعجب البعض، ذهب المخربين و دمروا الممتلكات الخاصة. بل ذهب بعضهم الى ان ينادي بقتل احد المشاركين في هذه البرامج. هذا الانفعال الآني يضر من أسيء اليه. و خير مثال التعويض المالي الذي حصل عليه الشيخ فيصل خليفة المالك. عقوبة مالية توجع المحطة اكثر من التخريب الذي تعرضت له من قبل من كان يضن انه مدافعا عن الشيخ فيصل.

  و السياسيون يستغلون هذه الظاهرة لتهيج الناس و تحاشي البرامج البناءة. حاول النائب محمد هايف ان يلغي الرقابة على المساجد و لم يقدر في المحاولة الاولى. فطالب ان تضع الرقابة على الحسينيات. و بدلا من ان يشكره النائب عدنان عبدالصمد على الاهمية التي أولاها للحسينيات و يطلب منه ان تعطى خدمات مجانية من الدولة. اختار الهجوم على محمد هايف. طبعا عدنان عبدالصمد ليس ارعنا ولكن يعرف كيف يلعب بمشاعر الناس. و يعلم جيدا ان الناخبين بالكويت يشكون من التخمة و الادمان المعلوماتي. و ان الطرح العقلاني لن يجدي نفعا.

  الكل يعلم بأن البلاد لن ينهض بها الا الطرح الموضوعي العقلاني. و لذلك يقدم كاتب الكتاب عدة نصائح لتحاشي التخمة المعلوماتية. مثل ان لا تكون قراءاتنا مبنية على مصدر واحد. ان نحاول ان نتفهم وجهة النظر الاخرى و ان كانت لا تعجبنا. ان نخالط الاطراف الاخرى. ان تكون قراءاتنا مبنية على مصادر اوليه لا ثانوية.

اما بالكويت فلدي نصيحة بسيطة. الكويت صغيرة و ضعيفة. دخلها صدام صباحا و اكمل قبضته عليها مساء. لم نقدر على مواجهة المارد الجبار الا من خلال وحدتنا الوطنية. لنتحد جميعا على كلمة الحق التي بها خير البلاد.

Advertisements
هذا المنشور نشر في مـــقـــالات الكــاتــب. حفظ الرابط الثابت.

One Response to الادمان المعلوماتي

  1. بسام الشمري كتب:

    بالفعل تخمة معلوماتية فالجهاز الذكي لا يفارقنا في السيارة والبيت والعمل والديوانية وفي النوم كذلك ، فتويتر والأس أم أس والفيسبوك والإيميل والوتس أب وغيرهما كثير ، ومع شديد أسفي البعض ومن أجل أهداف أوهن من بيت العنكبوت يروج للطائفية والقبلية والعنصرية من خلال هذه القنوات الاتصالية الرهيبة دون النظر لمصلحة الكويت ونسيجها الإجتماعي ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s